محمد متولي الشعراوي

4272

تفسير الشعراوى

لقد ظلموا بها لأنهم رفضوا اتباع المنهج الحق ، وظلوا على فسادهم ، والمفسدون - كما نعلم - هم الذين يعمدون إلى الصالح في ذاته فيفسدونه ، برغم أن المطلوب من الإنسان أن يستقبل الوجود استقبال من يرى أن هناك أشياء فوق اختياراته ومراداته ، وأشياء باختياره ومراداته ، فإذا نظر الإنسان في الأشياء التي بها مقومات الحياة ، مما لا يدخل في اختياره يجدها على منتهى الاستقامة . إننا نجد الإنسان لا يتحكم في حركة الشمس أو حركة القمر ، أو النجوم أو الريح أو المطر ، فهذه الكائنات مستقيمة كما يريدها اللّه ، ولا يأتي الفساد إلا في الأمر الذي للإنسان مدخل فيه ، والناس لا تشكو من أزمة هواء - على سبيل المثال - لأنه لا دخل في حركة الهواء لأحد ، لكنهم شكوا من أزمة طعام لأن للبشر فيه دخلا ، ونجد شكواهم من أزمة المياه أقل ؛ لأن مدخل الإنسان على الماء قليل . إنه سبحانه وتعالى يجعل الأمر الذي يدير حركتك الوقودية لك فيه بعض من الدخل ، فيجعل من جسمك - على سبيل المثال - مخزنا للدهون ليعطيك لحظة الجوع ما كنزته فيه من طاقة . ومن العجيب أن الدهون هذه هي مادة واحدة وساعة نحتاج إلى التغذية منها تتحول المادة الواحدة إلى المواد الأخرى التي نحتاج إليها . تحتاج مثلا إلى زلال ، فيتحول الدهن إلى زلال ، تحتاج إلى كربون ، يعطى لك الدهن الكربون ، تحتاج إلى فوسفور يعطيك فوسفورا ، تحتاج إلى مغنسيوم يعطيك الدهن المغنسيوم ، وهكذا فإذا كنا نصبر على الطعام بقدر المخزون في أجسامنا ، ونصبر على الماء أيضا بقدر المخزون في هذه الأجساد ، فنحن لا نصبر على الهواء لأن التنفس شهيق وزفير ، ولو أن إنسانا ملك الهواء يعطيك إياه لحظة الرضا ، ويمنعه عنك لحظة الغضب ، لمت قبل أن يرضى عنك ، لكن إن منع عنك الماء فترة فقد يحن قلب عدوك أو يأتي لك أحد بالماء أو قد تسعى أنت بحيلة ما لتصل إليه . إذن فالأمر الذي لا دخل للإنسان فيه نجده على منتهى الاستقامة ، ولا يأتي